الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
527
مختصر الامثل
القاتل بقتله ، نفساً بنفس . حيث تقول الآية في هذا المجال : « وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » . كما بيّنت أنّ من يصيب عين انسان آخر ويتلفها ، يستطيع هذا الإنسان المتضرر في عينه أن يقتصّ من الفاعل ويتلف عينه ، إذ تقول الآية في هذا المجال : « وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ » . وكذلك الحال بالنسبة للأنف والأذن والسن والجروح الأخرى ، « وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسّنَّ بِالسّنّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ » . وعلى هذا الأساس فإنّ حكم القصاص يطبّق بشكل عادل على المجرم الذي يرتكب أحد الجرائم المذكورة . وقد أنهت هذه الآية التمايز غير العادل الذي كان يمارس في ذلك الوقت . ولكي لا يحصل وَهمٌ أنّ القصاص أو المقابلة بالمثل أمر إلزامي لا يمكن الحيدة عنه ، استدركت الآية بعد ذكر حكم القصاص فبيّنت أنّ الذي يتنازل عن حقه في هذا الأمر ويعفو ويصفح عن الجاني ، يعتبر عفوه كفارة له عن ذنوبه بمقدار ما يكون للعفو من أهمية « فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ » . وفي الختام تؤكد الآية قائلة : « وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » . وأيّ ظلم أكبر من الإنجرار وراء العاطفة الكاذبة ، وترك القاتل دون أن ينال قصاصه العادل بحجة أنّ الدم لا يُغسل بالدم ، وفسح المجال للقتلة للتمادي بارتكاب جرائم قتل أخرى ، وبالنهاية الإساءة عبر هذا التغاضي إلى أفراد أبرياء ، وممارسة الظلم بحقهم نتيجة لذلك . وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) بعد الآيات التي تحدّثت عن التوراة جاءت هذه الآية ، وهي تشير إلى حال الإنجيل وتؤكد بعثة ونبوّة المسيح عليه السلام بعد الأنبياء الذين سبقوه ، وتطابق الدلائل التي جاء بها مع تلك التي وردت في التوراة ، حيث تقول الآية : « وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَيةِ » . ثم تشير الآية الكريمة إلى انزال الإنجيل على المسيح عليه السلام وفيه الهداية والنور فتقول :